مصطفى صادق الرافعي

56

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ومن أعضل الأمور وأشدها التباسا أن يكون امرؤ من الناس قادرا على أن يقيس ببيانه ، أو علمه بمذاهب البيان - قدرة أقوام وعجزهم في أمر معنوي كاللغة ، متى كانت مذاهبهم إلى أنواع من الاختلاف في القدرة والعجز ، وخاصة إذا كان أمر اللغة فيهم إلى السليقة والفطرة ، فإن من ينتصب لذلك وإن أراد أن يسقط ، وحاول أن لا يحول - فهو لا بد مخطئ تعيين المراتب في المقدار الفاضل ، وتعيين ما يقابلها في المقدار المفضول ، ثم مخطئ في تمييل الحكم بين المقدارين ، ولا يجيء من رأيه إلا بما تعرض فيه الخصومة أو تطول ، لأن قياس مثل ذلك من الفطرة لا يتهيأ إلا بعمل يحتوي كلّ دقائقها وما يمكن أن تبلغ إليه من الكمال المطلق الذي هو الحدّ الأعلى في طبيعة تركيبها ، ومثل هذا لا يكون البتة من إنسان ينزل على حكم هذه الفطرة نفسها ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، ولأن قابل الكمال لا يكون في نفسه حدا للكمال ، ومن أجل هذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مع أنه أفصح ذي لسان وأبلغ ذي لبّ ، لا يقاس كلامه بالقرآن ، ولا يقع منه إلا كما يقع سائر الكلام ، مع أنه بين كلام الناس الغاية التي ليس بعدها ما يقال فيه إنه بعدها ، كما ستقف عليه في موضعه . فيلزم من ذلك أن يكون القياس الذي أشرنا إليه أمرا فوق الطبيعة وليس فوقها إلا أمر اللّه ، وهو القائل عزّ وجلّ : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . وينبغي لك أن تطيل النظر في قوله تعالى : غَيْرَ ذِي عِوَجٍ وتقف على موقع هذا الفصل من الآية ، وتتأمل لفظة ( العوج ) فضل تأمل ، فإنك لا تثير دفائنها البيانية إلا إذا حملتها على ما ذهبنا إليه . فتراها تصف القرآن بأنه فطرة هذه الفطرة العربية نفسها . وإنها لكلمة من الوصف الإلهي ترجح في موقعها بالكلام الإنساني كله . فقد وضح لك أنه لولا القرآن وأسراره البيانية ما اجتمع العرب على لغته ، ولو لم يجتمعوا لتبدّلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد ، حتى تنتقض الفطرة وتختبل الطباع ، ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة ، إذ لا يخلفهم عليها إلا من هو أشدّ منهم اختلاطا وأكثر فسادا ، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهم العربية فلا تبين - وهي أفصح اللغات - إلا بضرب من إشارة الآثار ، وتنزل منزلة هذا ( الهيروغليف ) الذي قبره المصريون في الأحجار وأحيته هذه الأحجار . وذلك معنى من أبين معاني الإعجاز ، إذ لا تجده اتفق في لغة من لغات الأرض غير العربية ، وهو لم يتفق لها إلا بالقرآن ، ولقد كان أسلوبه البياني الذي جمع له العرب هو الذي اقتضى ما أحدثه العلماء بعد ذلك من تتبع اللغات وتدوينها ورواية شواهدها ،